محمد بن جرير الطبري
16
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذكره : لا يمس المتقين من أذى جهنم شيء ، وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن يمسهم ، ولا هم يحزنون ؛ يقول : ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا ، إذ صاروا إلى كرامة الله ونعيم الجنان . وقوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يقول تعالى ذكره : الله الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا تصلع العبادة إلا له ، خالق كل شيء ، لا ما لا يقدر على خلق شيء ، وهو على كل شيء وكيل ؛ يقول : وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة . القول في تأويل قوله تعالى : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . الْخاسِرُونَ يقول تعالى ذكره : له مفاتيح خزائن السماوات والأرض ، يفتح منها على من يشاء ، ويمسكها عمن أحب من خلقه ؛ واحدها : مقليد . وأما الإقليد : فواحد الأقاليد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مفاتيحها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مفاتيح السماوات والأرض . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قالا : خزائن السماوات والأرض . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال : المقاليد : المفاتيح ، قال : له مفاتيح خزائن السماوات والأرض . وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يقول تعالى ذكره : والذين كفروا بحجج الله فكذبوا بها وأنكروها ، أولئك هم المغبونون حظوظهم من خير السماوات التي بيده مفاتيحها ، لأنهم حرموا ذلك كله في الآخرة بخلودهم في النار ، وفي الدنيا بخذلانهم عن الإيمان بالله عز وجل . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ . . . وَإِلَى الَّذِينَ . . . الْخاسِرِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه : قل يا محمد لمشركي قومك ، الداعيك إلى عبادة الأوثان : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أيها الجاهلون بالله تَأْمُرُونِّي أن أَعْبُدُ ولا تصلح العبادة لشيء سواه . واختلف أهل العربية في العامل ، في قوله أَ فَغَيْرَ النصب ، فقال بعض نحويي البصرة : قل أفغير الله تأمروني ، يقول : أفغير الله أعبد تأمروني ، كأنه أراد الإلغاء ، والله أعلم ، كما تقول : ذهب فلأن يدري ، جعله على معنى فما يدري . وقال بعض نحويي الكوفة : " غير " منتصبة بأعبد ، وأن تحذف وتدخل ، لأنها علم للاستقبال ، كما تقول : أريد أن أضرب ، وأريد أضرب ، وعسى أن أضرب ، وعسى أضرب ، فكانت في طلبها الاستقبال ، كقولك : زيدا سوف أضرب ، فلذلك حذفت وعمل ما بعدها فيما قبلها ، ولا حاجة بنا إلى اللغو . وقوله : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ يقول تعالى ذكره : ولقد أوحى إليك يا محمد ربك ، وإلى الذين من قبلك من الرسل لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ يقول : لئن أشركت بالله شيئا يا محمد ، ليبطلن عملك ، ولا تنال به ثوابا ، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله ، وهذا من المؤخر الذي معناه القديم ؛ ومعنى الكلام : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ، ولتكونن من الخاسرين ، وإلى الذين من قبلك ، بمعنى : وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك ، مثل الذي أوحي إليك منه ، فاحذر أن تشرك بالله شيئا فتهلك . ومعنى قوله : وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ولتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ . . . يَوْمَ الْقِيامَةِ . . . يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله